ابن أبي مخرمة

124

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

أربعون نفسا من أهله وأقاربه ، فلما زلزل أهله عن وطنهم . . رقّ لهم ، فرجع ودخل في القضاء ، وكان لا يحكم إلا وبينه وبين المتخاصمين ستر ؛ لشدة ورعه . يقال : إنه في بعض الأيام أتت بقرتان إلى داره وصاحتا ، فعرف أن صياحهما يشكوان أن سيدهما يستخدمهما خدمة عظيمة غليظة ، ولا يشبعهما علفا ، فأدخلهما القاضي داره وعشاهما ، واستدعى سيدهما وقال له : لا يحل لك من اللّه أن تجيعهما ، وتكلفهما ما لا يطيقان ، فتكفل سيدهما أن يشبعهما ، وألا يكلفهما ما لا يطيقان . وروي : أن البقرتين صاحتا تحت دار القاضي وانصرفتا ، فقال القاضي لرجل : إنهما شاكيتان ، اذهب معهما ، وائتني بسيدهما ، فذهب الرجل والبقرتان تمشيان قدامه كالدالات له على من ظلمهما ، فلما وصلتا إلى باب سيدهما . . وقفتا ، فدعا الرجل سيدهما ، ومضى به إلى القاضي ، فقال له القاضي ما تقدم ذكره ، وتكفل له السيد بما تكفل ) اه « 1 » وهذه القصة تشبه قصة كسرى أنوشروان العادل مع الحمار . قال الخطيب : ( توفي المذكور ليلة الاثنين آخر صفر سنة ثمان وعشرين وست مائة ، وقبر عند قبور آل با علوي ) « 2 » أي : بتريم ، نفع اللّه بهم أجمعين . 2892 - [ يحيى بن معاذ الرازي ] « 3 » أبو زكريا يحيى بن معاذ الرازي الشيخ الجليل ، أحد شيوخ « الرسالة » المشهورة . قال فيه الأستاذ أبو القاسم القشيري : ( نسيج وحده في وقته ، له لسان في الرجاء خصوصا ، وكلام في المعرفة ، خرج إلى بلخ ، فأقام بها مدة ، ورجع إلى نيسابور ، ومات بها ) « 4 » . ومن كلامه : الكلام الحسن حسن ، وأحسن من الكلام معناه ، وأحسن من معناه استعماله ، وأحسن من استعماله ثوابه ، وأحسن من ثوابه رضى من يعمل له . وقال : ليكن حظ المؤمن منك ثلاث خصال : إن لم تنفعه . . فلا تضره ، وإن لم تمدحه . . فلا تذمه ، وإن لم تسره . . فلا تغمه .

--> ( 1 ) « الجوهر الشفاف » ( 1 / 65 ) . ( 2 ) « الجوهر الشفاف » ( 1 / 66 ) . ( 3 ) تقدمت ترجمته في وفيات سنة ( 258 ه ) في موضعها الصحيح ؛ فانظر مصادر ترجمته هناك ( 2 / 563 ) . ( 4 ) « الرسالة القشيرية » ( ص 27 ) .